عاد شباب الأنصار الذين بايعوا النبي”ص” إلى يثرب.. و ساروا بالدعوة بين أهلها.. فكان الرجل يأتيهم. فيقرأون عليه القرآن.. فيسلم.. فيذهب إلى أهل بيته فيسلمون بإسلامه..
و مع الوقت.. لما زاد عدد المسلمين.. لقوا انهم بحاجة إلى معلم.. يعلمهم القرآن..و حد كمان يكون محايد بالنسبة للناس.. بعيد عن الحزازيات اللي بين الأوس و الخزرج.. عشان ماحدش يعتر الاسلام ده بتاع الأوس أو الخزرج فيتكبر و يرفض الاسلام بسبب المشاكل اللي بينه و بين الطرف الآخر..
محتاجين حد محايد.. يقدر يسير بالدعوة إلى بيوت يثرب كلها..
فبعثوا إلى النبي”ص” في حاجتهم هذه.. فأرسل لهم “مصعب بن عمير”..
فنزل مصعب ضيفاً على أسعد بن زرارة.. أحد شباب الأنصار الذين بايعوا النبي”ص”.. فجعل يدعو الناس معهم.. حتى جعل الإسلام ينتشر أكثر و أكثر..و كانوا يسمونه “المقرئ”..
و مهمة مصعب ماكانتش مهمة سهلة.. فهو في غربة.. بعيد عن مكة.. بعيد عن النبي”ص”.. ظهره مكشوف للجميع.. لا يملك أي شئ.. لا أهل يحموه.. ولا مال.. ولا سلاح..
كل ما يملكه.. هو رسالة ربه.. هي الزاد.. و هي السلاح..
رسالة.. يقتحم بها الأهوال.. لا يأبه إن ضُرب أو مات.. فما خرج من مكة باحثاً عن حطام الدنيا.. بل كان يتحسس حطام القلوب و الأرواح.. ليجمعها من جديد..
كان يحمل الحياة لقلوب تكاد أن تموت..
أشرقت يثرب بمصعب بن عمير..
شفنا كيف كان الله سبحانه و تعالى يهيئ يثرب.. لتكون هي محضن هذه الدعوة..
كل ده.. و النبي“ص“ مستمر في الدعوة.. و التربية..
مستمر.. كل موسم.. يمر بوفود القبائل.. يعرض عليهم الإسلام..
حتى أذن الله ببداية بزوغ الفجر..
يأتي الموسم.. فيخرج النبي“ص“ فيعرض نفسه على القبائل.. كما يفعل دائما..فبينما هو عند العقبة.. إذا به يلقى نفراً من الخزرج..
وقفنا قبل كده و اتكلمنا شوية عن الجيل الأول من الصحابة .. الجيل اللي اتربى في مكة..
و تعالوا النهاردة نقف شوية..و نتعرف على الجيل الثاني.. جيل الأنصار..
- كانوا أحب الناس إلى رسول الله “ص”.. يقول النبي”ص” لأحدهم يوماً : “والذى نفسى بيده، إنكم لأحب الناس إلىّ “
- و يؤكد النبي”ص” انه لو لم يكن مهاجراً قرشياً.. و اختار أن يكون من غير قريش.. لاختار أن يكون أنصارياً.. فيقول “ص” : “لولا الهجرة لكنت امرءاً من الانصار،”
و يضع النبي “ص” الناس كلهم في كفة.. و الأنصار وحدهم في كفة.. و يضع نفسه معهم.. فيقول “ص”: “أما ترضون أن يرجع الناس بالدنيا، وترجعون برسول اللّه إلى بيوتكم. لو سلك الناس وادياً، وسلك الأنصار شِعباً لسلكت شعب الأنصار “
عشان كده لا نستغرب أبدا.. ان النبي”ص” بعد فتح مكة يؤثر العودة مع الأنصار إلى المدينة و يقيم معهم فيها.. و يتوفاه الله فيها.. على أن يبقى في مكة بعد فتحها.. مكة.. اللي قال عنها أنها أحب بلاد الله إلى الله.. و إليه..
و نرجع تاني و نستكمل أحداث السيرة مع النبي”ص”..
شفنا سوا رحلة الطائف.. و ازاي كانت المواجهة عنيفة مع ثقيف و قياداتها.. و ازاي آذوا النبي”ص”.. فكان موقفها أسوأ حتى من موقف قريش..
فمابقاش قدام النبي”ص” بعد ما اتسدت الطرق أمامه في مكة و الطائف.. غير انه يبحث عن أرض جديدة للدعوة .. تكون نقطة بداية و انطلاق للعالم كله..
فكان النبي”ص” لا يترك أي مناسبة رلا و يستغلها لتحقيق الهدف ده.. فنلاقيه يتواصل مع الوفود اللي بتيجي مكة عشان الحج و العمرة أو في المواسم العامة.. و نلاقيه يذهب إلى الأسواق العربية الشهيرة في مكة اللي بيحضرها كل العرب و يتواصل مع الوفود اللي فيها.
و احنا على وشك توديع المرحلة المكية.. محتاجين نقف وقفة.. و نتأمل الفترة دي..
نتأمل من أسلموا فيها.. و كيف رباهم النبي”ص”.. لأن احنا قدام ظاهرة فريدة في تاريخ الأمم..
عدد السابقين الأوائل ممن أسلموا و هاجروا من مكة إلى المدينة كان حوالي ١٦٠ صحابي تقريبا..
٧٠ منهم تقريباً استشهدوا في سبيل الله.. و من ضمنهم عدد كبير من القيادات اللي رباها النبي”ص”
و هنا محتاج أقف وقفة مع مفهوم “القيادة”.. لأن من التعليقات اللي وصلتني حاسس انه محتاج توضيح أكتر..
أول ما بنتكلم عن القيادة.. غالبا أول حاجة بتيجي في ذهن السامع هي “المناصب” الإدارية العليا.. رئيس جمهورية.. قيادات جيش.. رئيس مجلس إدارة.. مدير..
و ده طبيعي في زمن بقت القيادة فيه تشريف.. مش تكليف..
مش ده اللي نقصده أبدا لما بنتكلم عن تربية النبي”ص” للقادة الأوائل..
بشكل عام.. المقصود بالقيادة هنا تحمل المسئولية و الإيجابية و المبادرة و إلهام الآخرين.. ان الإنسان يبقى قدوة و مثل أعلى لكل اللي حواليه بأفعاله.. مش بأقواله.. يبقى منارة يهتدي بيها الناس في الظلمات..
زي ما ورد عن النبي”ص” في قوله :”أصحابي كالنجوم.. بأيهم اقتديتم اهتديتم”..
النبي”ص” كان بيربي أمة كل أفرادها قادة على مستويات مختلفة.. فيقول “ص” :”كلكم راعٍ.. و كلكم مسئول عن رعيته”..
محتاجين نوقف الأحداث شوية من وقت للتاني.. و نوقف الكادر على شخصيات بدأت تظهر على ساحة الأحداث.. نقرب منهم و نتعرف على شخصياتهم و نفهمهم.. بحيث لما نشوفهم بعد كده نبقى عارفين بنتكلم عن مين.. و نبقى قادرين نقيم عظمة شخصياتهم و أدوارهم..
بقالنا فترة ماشيين في الأحداث مع النبي”ص”.. خارج دار الأرقم.. في طرقات مكة.. و الطائف..
تعالوا نرجع دار الأرقم تاني.. نلقي عليها نظرة.. لأننا على وشك اننا نودعها..
وسط الأحداث اللي اتكلمنا عنها دي كلها.. كانت دار الأرقم هي المحضن.. اللي كان المسلمين بيسعدوا فيه بلقاء النبي”ص” يومياً.. يربيهم فرداً فرداً.. و جماعةً.. تربية فردية يؤهل فيها لك فرد حسب طاقاته و استعداداته.. و تربية جماعية تصهر هؤلاء الأفراد في كيان جديد اسمه “الأمة الإسلامية”..
ظلت دار الأرقم مستمرة في دورها التربوي.. و خرجت لنا قامات إسلامية جديدة.. محتاج اقف مع واحد منهم.. أسامة بن زيد..
بعد عشر سنين من الدعوة.. بدأت بنزول الوحي في حراء.. و استمرت تشق طريقها في قلوب الناس في مكة.. و في الجزيرة العربية.. و في عالم الجن.. بل و توصل للحبشة..
و في المقابل.. قريش عمالة تبث سمومها و أكاذيبها و حربها الإعلامية في كل مكان .. ضد الدعوة الجديدة.. و مايفوتوش أبداً فرصة للانقضاض على الدعوة و رجالها.. إيذاء.. تشريد.. قتل.. مطاردة..
لأول وهلة.. تبدو الساحة و كأنها ملك قريش.. و ان هي اللي منتصرة في الجولة دي.. الدعوة انسدت كل الطرق قدامها في مكة.. في ثقيف.. في قبائل العرب.. و أُحكم الحصار من كل جانب ضد الدعوة و رجالها.. و أصبح النبي“ص“ على وشك القضاء عليه.. بعد وفاة عمه أبو طالب..
و بالرغم من كل ده.. مستمر في دعوته.. ماشي في طريقه.. صابرٌ لأمر ربه.. لا تأخذه في الله لومة لائم..ولا حرب محاربٍ.. ولا كيد مستهزئ..
فترة عصيبة جدا في حياة النبي“ص“ و في حياة الرسالة.. محتاجة تثبيت.. و طمأنينة قلب..
و في الليل تهدأ مكة.. و تسكن..
الصحابة متعبين من الأذى و المطاردة .. و المشركين متعبين أيضاً .. بيهدروا طاقاتهم طول النهار في التعذيب و المطاردة لرسول الله..
تسكن مكة كلها.. في الليل..
لكن ليل المسلمين ليل عمل.. ليل مناجاة للخالق.. و تهجد.. و تصفية للنفوس و الأرواح..
و في ليلة.. غير الليالي.. يأتي جبريل للنبي“ص“ على غير العادة..
آ
و ينصرف النبي“ص“ من الطائف عائدا إلى مكة.. بعد ما يأس من ان حد يسلم من أهلها..
و يخيم عليه الليل في الطريق..
هو على سفر.. ماشي على رجليه.. و به ما به من التعب و الإرهاق و الألم بعد كل اللي شافه في رحلته دي..
المفروض يرتاح..
فما راحة رسول الله ”ًص“؟...
يقوم ليصلي في جوف الليل..
في جوف الصحراء..
فيسمعه الكون.. و تهفو إليه قلوب ليست من عالم البشر..
بعد وفاة أبي طالب.. المحنة أخذت أبعاد جديدة.. و الوضع بقى شديد جداً على النبي”ص”.. قريش أطلقت أياديها في صب الأذى على النبي”ص” دون حدٍ أو قيد..
عشان كده.. كان لابد من البحث عن موقع جديد تنطلق منه الدعوة بعد ما وصلت في مكة لطريق مسدود..
ياترى ايه أنسب مكان يصلح يكون مقر للدعوة؟
هل الحبشة تنفع؟.. بقى فيها قاعدة مستقرة و آمنة للمسلمين ..
ماتفنعش للأسف.. بسبب بعدها عن الجزيرة العربية و لعُجمة أهلها.. مابيتكلموش أو يفهموا عربي.. ازاي هايفهموا القرآن؟
عشان كده كان العرب هم الأكفأ و الأقدر على حمل الدعوة في البدايات.. لأنهم الأقدر على فهمها و فقهها و هي بلسان عربي مبين..
المعطيات المتاحة.. و اختيارات البشر.. بتقول ان أنسب مكان هو الطائف.. مقر قبيلة ثقيف.. قبيلة ن حيث العدد و المنعة و العُدة لا تقل عن قريش..
و الطائف نفسها كموقع لا تقل أهمية عن موقع مكة.. و موقعها قريب من مكة.. يسهل التحرك بين البلدين .. و يخلي العمل على استعادة مكة من براثن الشرك أسهل في المستقبل..
و يستشير النبي“ص“ أصحابه في الخروج إلى الطائف.. و يخرج وحده مع مولاه زيد بن حارثة.. و هو الفدائي الأول في المرحلة دي بعد أبو بكر الصديق رضي الله عنه.. و يخرج فقط مع زيد.. عشان تبقى المهمة سلمية إلى أبعد الحدود.. مهمة دعوية بحتة.. ماحدش من ثقيف يقلق و يقول جايب رجالته و جاي ليه؟.. و ماحدش من مكة يقلق من تحركات المسلمين و يقول فيه أجندات خارجية و عاوزين يستقووا بالأغراب علينا..
قال رسول الله “ًص”:
” أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يُبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان فى دينه صلباً اشتد بلاؤه، وإن كان فى دينه رِقَّة ابتُلى على قدر دينه، فما يبرح البلاءُ بالعبدِ حتى يترُكَه يمشى على الأرض وما عليه خطيئة “
اشتد ايذاء قريش للنبي “ص” بعد وفاة أبي طالب..
فنلاقي أبو جهل في يوم قاعد مع أصحابه طواغيت قريش.. عند الكعبة.. و لمحوا النبي”ص” بيصلي.. و سجد النبي”ص”.. و طال سجوده..
فقال أبو جهل : أيكم يأتي جزور بني فلان فيأتينا بفرثها فنُكفئه على محمد؟
حد كان دابح عند الكعبة فقال مين يجيبلنا الفرث بتاع الدبيحة.. اللي هو محتويات المعدة.. فضلات الأكل اللي بتبقى جوة الدبيحة..
فيقوم عقبة بن أبي معيط جري.. يروح يجيب الفرث.. و يلقيه على كتفي النبي”ًص” و هو ساجد..
فتراه فاطمة بنته.. فتجري على أبوها و تزيل عنه الأذى.. و تخيلوا شعورها و هي شايفة أبوها.. سيد خلق الله.. بيتعمل فيه كده.. و هي حاسة بالعجز تماما.. مش قادرة تدافع عنه..
و يكمل النبي”ص” صلاته.. ثم يدعو عليهم : ” اللهم عليك بقريش- ثلاثاً- عليك بعتبة وعقبة وأبى جهل وشيبة “
ما دعاش على حد قبل كده أبدا.. عشان تتخيلوا حجم الأذى اللي وقع على النبي”ًص” بعد وفاة أبو طالب..