و ما زلنا في اللحظات الأولى لميلاد الدولة الإسلامية الأولى..
برلمان.. متمثل في نقباء الأنصار.. ممثلين عن جميع عشائر الأنصار..
اختاروا الرئيس و بايعوه.. النبي“ص“ ..
ثم بناء المسجد النبوي.. اللي كان قصر الحكم و البرلمان و أرض المؤتمرات و مجلس الوزراء و غرفة عمليات القوات المسلحة..
ثم... الدستور..
دستور الدولة..
ياترى دستور دولة النبي”ص” كان شكله ايه؟
كنا مع لحظات وصول النبي”ص” إلى المدينة و استقبال أهلها له.. لحظان تفيض بمشاعر الحب و الكرم و الخلق العالي..
و لكن.. لا وقت لراحة.. ورانا مشوار طويل.. ورانا بناء دولة.. و أمة..
كيف يضع النبي”ص” اللبنات الأولى لدولة الإسلام في المدينة؟..
شفنا المدينة و هي تفيض بالمشاعر.. تتزين بالإسلام..
كانت مدينة منورة بلقاء الحبيب الذي طال الشوق إليه..
رسول الله “ص” في المدينة .. يمشي في شوارعها.. تصافحه قلوبها و أرواحها..
لحظات مش قادر اسيبها.. و أظن ان مافيش مسلم مايتمناش انه كان عاش اللحظات دي.. و شافها بعينيه.. و بدموعه..
كان موكب النبي”ص” يتحرك ببطء.. الطريق مزدحم بالقلوب.. و الدموع.. و ابتسامات الأطفال.. و فرحتهم البريئة.. حتى الأطفال.. فرحوا بمقدم رسول الله “ص”.. و خرجوا في الطرقات يهتفون :الله أكبر جاء رسول الله.. جاء محمد..جاء رسول الله.. جاء رسول الله.. الله أكبر جاء محمد.. الله أكبر جاء محمد
يهتفون و يغنون..
يمر النبي”ص” بجوارٍ من بني النجار.. بنات صغيرين.. أطفال.. ماسكين الدفوف و بينشدوا كلمات ارتجلوها فرحاً بمقدم النبي”ص”..:
نحن جوارٍ من بني النجار .. يا حبذا محمدٌ من جار..
كنا مع النبي”ص” و أبي بكر في رحلة الهجرة.. في نفس اللحظة اللي فيه قلوب كثيرة بتنتظر على أحر من الجمر وصول النبي”ص” إلى المدينة.. خاصةً الأنصار.. اللي كانت لهفتهم للقاء النبي”ص” بتزداد يوم بعد يوم.. خصوصا بعد وصول طلائع المهاجرين من مكة..
الكل كان منتظر.. امتى يؤذن للنبي”ص” بالهجرة؟.. ماكانش حد يعرف..
كانوا يتمنوا يكونوا معاه في طريق الهجرة خطوة بخطوة و لحظة بلحظة زينا..
كان أهل المدينة كل يوم يخرجوا بعد صلاة الصبح على طريق مكة.. يترقبون وصول النبي”ص”.. و يظلون هكذا حتى تغلبهم حرارة الشمس.. فيعودوا إلى بيوتهم إن لم يكن هناك ظل..
هذه هي المدينة المشتاقة وهؤلاء هم أهلها..
أما رسول الله “ص”.. فما زال على الرمضاء يسير..مقبلاً على المدينة.. هو و أبو بكر..
و زي ماقلنا كان أهل المدينة بيخرجوا كل يوم ينتظروا وصول النبي”ص” أو أخبار عنه..
ولكن العجيب.. ان ماحدش منهم شاف النبي”ص” لما وصل على مشارف المدينة..
مضى ثلاثة أيام و النبي “ص” و أبو بكر في الغار.. و بدأت الناس تهدأ و تيأس من العثور عليهما..
فبدأ النبي”ص” و أبو بكر في التحرك..
ألقى النبي”ص” نظرة .. قد تكون الأخيرة.. على مكة..
لا يدري.. هل يعود إليها يوماً.. أم لا..
غادرها.. بعد أن ضاقت به..و بدعوة الله..
غادرها.. إلى مدينة مفتحة الأذرع و الأبواب.. للهاربين للخلاص.. للحاملين سورة الإخلاص..
مدينة عطوف.. يحن فيها كل شئ.. حتى الجذع.. يحن إلى رسول الله “ص”.. حتى الحجارة فيها بادلت الصحابة عشقاً..
يقول “ص” عن جبل أحد..: “أحد جبل يحبنا و نحبه”
ودع النبي”ص” مكة.. الحبيبة.. التي تركها مُكرها.. حملها في قلبه.. و ارتحل.. و هو يقسم :
(والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلي، ولولا أني أُخْرِجتُ منك ما خرجت)
فشل طغاة قريش في قتل النبي”ص” أو منعه النبي”ص” من الخروج من مكة..
فجن جنونهم..و سارعوا ففتحوا صناديق الحلال و الحرام.. و عرضوا الهدايا و الهبات جائزة لمن يأتي لهم برسول الله “ص” حياً.. أو ميتاً..
استنفروا كل رجالهم و أموالهم و توجهوا إلى كل العرب.. يغوونهم بقتل رسول الله “ص”.. و نذروا لذلك جائزة ضخمة.. مائة ناقة.. أسطول سيارات هامر..
و لكن كما قلنا من قبل.. كما كانوا هم يبذلون قصارى جهدهم.. كان النبي”ص” كذلك يبذل أقصى ما عنده..
النبي”ص” أعد خطة محكمة.. تخلي قريش تدور حول نفسها في دوائر مفرغة ولا تجني من تعبها شيئا..
لما نزل المشركون من جبل ثور و قد فشلوا في العثور عن النبي”ص”.. لم يترك النبي”ص” الغار.. بل ظل فيه ثلاثة أيام هو و أبي بكر.. ثلاثة أيام ستكون محمومة بالبحث و التفتيش في كل ركن و تحت كل حجر.. ثلاثة أيام كفيلة بأن يتسرب الإحباط إلى نفوس المشركين وييأسوا من العثور عليه..
طب ازاي النبي”ص” هايعرف أخبار قريش؟ و ناويين على ايه؟ و بطلوا يبحثوا عنه ولا لأ؟
الإجابة.. شاب مسلم.. من أبناء أبي بكر.. اسمه عبد الله..
و يؤمر النبي”ص” بالهجرة.. و نزلت عليه الآيات.. و قوله تعالى:
“وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِير”
فيتجه النبي “ص” إلى أبي بكر.. صاحبه.. في سرية تامة.. متلثماً.. في وقت الظهيرة.. الوقت الي بتشتد فيه الحرارة .. لأن الناس غالبا بتلجأ لبيوتها هربا من الحرارة و بيقل عدد الناس ي الطرقات..
يذهب النبي”ص” لأبي بكر في هذا الوقت.. و يطرق الباب بحذر شديد..
فيستشعر أبو بكر أن أمرا خطيرا قد حدث.. مش معقولة النبي”ص” ييجي في الوقت ده و بالشكل ده إلا لسبب مهم جداً..
فيقول النبي”ص” لأبي بكر: يا أبا بكر.. إني قد أُذن لي في الخروج..
فيقول أبو بكر : الصُحبة بأبي أنت و أمي يا رسول الله..
فيقول النبي”ص” : نعم..
قال أبو بكر : فخذ بأبي أنت يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين..
قال رسول الله “ص” : بالثمن..يا أبا بكر..
- تتابعت هجرة المسلمين إلى المدينة.. و كان الغالب عليهم انهم بيهاجروا في صورة مجموعات و على رأس كل مجموعة قائد.. و كانت كل مجموعة بتنزل في المدينة في بيت واحد.. مع بعض..
و لأول مرة بعد تجربة الحبشة.. المسلمين يلاقوا نفسهم في شكل تجمعات موزعة في أنحاء المدينة.. و عايشين بين اخوانهم من أهل المدينة.. عايشين حياة إسلامية كاملة.. بيمارسوا شعائرهم اليومية في العلن.. و جماعة.. مش فرادى.. لأول مرة يحسوا بحرية العقيدة في مجتمع إسلامي .. حي.. متفاعل..
امتحان حقيقي.. معادلة أطرافها بتلتقي على أرض الواقع.. ياترى النتيجة هاتكون ايه؟
النتيجة برهان ساطع.. على عظمة هذا الدين في نفوس هذه الأمة.. فيه تفاعل يومي في المجتمع بين المهاجرين و الأنصار.. و مافيش أي خلافات.. أو مشاكل.. في المجتمع اللي طول عمره كان عايش في حروب و خلافات..
- تتابعت هجرة المسلمين إلى المدينة.. و كان الغالب عليهم انهم بيهاجروا في صورة مجموعات و على رأس كل مجموعة قائد.. و كانت كل مجموعة بتنزل في المدينة في بيت واحد.. مع بعض..
و لأول مرة بعد تجربة الحبشة.. المسلمين يلاقوا نفسهم في شكل تجمعات موزعة في أنحاء المدينة.. و عايشين بين اخوانهم من أهل المدينة.. عايشين حياة إسلامية كاملة.. بيمارسوا شعائرهم اليومية في العلن.. و جماعة.. مش فرادى.. لأول مرة يحسوا بحرية العقيدة في مجتمع إسلامي .. حي.. متفاعل..
امتحان حقيقي.. معادلة أطرافها بتلتقي على أرض الواقع.. ياترى النتيجة هاتكون ايه؟
النتيجة برهان ساطع.. على عظمة هذا الدين في نفوس هذه الأمة.. فيه تفاعل يومي في المجتمع بين المهاجرين و الأنصار.. و مافيش أي خلافات.. أو مشاكل.. في المجتمع اللي طول عمره كان عايش في حروب و خلافات..
و يتوالى المسلمين في هجرتهم من مكة..
المرة دي بيت كامل من ٢٠ فرد.. هاجروا مرة واحدة.. بنو غنم بن دودان..
سابوا بيوتهم تصفر فيها الرياح..
فمر بها عتبة بن ربيعة و أبو جهل.. فلما رآها عتبة تخفق أبوابها .. خالية على عروشها..
قال :
وكل دار وإن طالت سلامتها* يوماً ستدركها النكباء والحوب
فقال أبو جهل: هذا عمل ابن أخى هذا. فرَّق جماعتنا، وشتّت أمرنا، وقطع بيننا…
كله من ابن اخويا محمد.. خربوا البلد!..
سبحان الله..هذه الهجرة الجماعية.. هزت مكة.. لأن اللي هاجروا دول كانوا أصهار بني هاشم و بني أمية.. ناس لها وزن في البلد.. و مناسبين عائلات كبيرة..و كمان فيه حلف و جوار بينهم و بين ناس كبيرة في مكة.. فتركهم الساحة بالشكل ده و تخليهم عن الحلف و الجوار ده بيحرج الناس اللي المفروض انهم في جوارهم و حمايتهم.. انهم تخلوا عن حمايتهم لأنهم مش قادرين يحموهم.. و ده اللي زعل عتبة.. لأن قبيلته هي اللي كانت بتجيرهم.. و هجرتهم بالشكل ده و تخليهم عن الجوار ده عار في حق بني أمية..